فرصٌ وسط الركام - كيف يحول لبنان استهداف السفارات إلى “ورقة قوة” سيادية؟
Osama
الأربعاء 04 آذار 2026

 

 

 

ريتا شهوان

في الوقت الذي تشتعل فيه جبهات الشرق الأوسط عام 2026، وتتهاوى فيه الحصانات الدبلوماسية تحت ضربات “المحاور”، يبرز مشهدٌ مفارِق في لبنان؛ فبينما تُغلق السفارات الأميركية في عواصم خليجية كبرى وتتعرض أخرى لضربات “مُحرجة” في الرياض وغيرها، يظل حصن “عوكر” في بيروت صامداً رغم الانهيار الواسع لمؤسسات الدولة اللبنانية. هذا التناقض الصارخ يفتح الباب أمام قراءة استراتيجية مغايرة: هل يمكن للبنان أن يحول عجزه الأمني وتهديد البعثات على أرضه إلى “فرصة ذهبية” لاستعادة سيادته ومكانته الإقليمية؟

عوكر كـ “مرساة استراتيجية” للغرب

تؤكد أدبيات العلوم السياسية أن استهداف السفارات هو بمثابة “اختبار للردع” وتغيير جذري لقواعد الاشتباك. وفي ظل “التصعيد العمودي” الذي مارسته إيران وحلفاؤها عام 2026، أثبتت التجربة الميدانية أن السفارة الأميركية في بيروت هي الأكثر تحصيناً وكفاءة استخباراتية في المنطقة. هذا الصمود يحول لبنان، رغم ضعفه الهيكلي، إلى «مرساة استراتيجية» (Strategic Anchor) لا يمكن لواشنطن أو حلفائها الاستغناء عنها. الفرصة هنا تكمن في تسويق لبنان كأكثر نقطة ارتكاز أمنية موثوقة في شرق المتوسط، مما يضمن بقاء الدولة اللبنانية تحت “مظلة الرعاية الدولية” الطارئة، ليس تعاطفاً مع بيروت، بل حمايةً لهذا المعقل الاستراتيجي المتقدم.

قرار نواف سلام وقانون العقوبات: الغطاء القانوني للسيادة

في سياق هذه المعادلة الدقيقة، يكتسب الموقف الرسمي اللبناني أهمية استثنائية، وتحديداً التوجه الذي أرساه رئيس الحكومة (نواف سلام) باعتبار أي عمل عسكري أو أمني ينطلق من الأراضي اللبنانية خارج إطار الدولة “عملاً خارجاً عن القانون”.​

ولتعزيز هذا التوجه السيادي وتحصينه، يُمكن للدولة اللبنانية العودة مباشرة إلى قانون العقوبات اللبناني، وتحديداً النصوص المتعلقة بـ “الجرائم الماسة بأمن الدولة الخارجي” و”الأعمال الإرهابية”. فهذا القانون يُجرّم بوضوح كل من يُقدم، دون موافقة الحكومة، على أعمال عدائية تُعرّض لبنان لخطر الحرب أو تعكّر صلاته بالدول الأجنبية (كمهاجمة السفارات أو فتح جبهات عسكرية). إن تفعيل هذه المواد القانونية ينزع أي “شرعية” أو “غطاء سياسي أو مقاوم” عن الفصائل المسلحة، ويصنف أي استهداف للبعثات الدبلوماسية كـ “عمل إرهابي” بحت. هذا التأطير القانوني يمنح الجيش اللبناني والقضاء مبرراً محلياً ودولياً صلباً لردع هذه العمليات، ويحول التنظيمات المسلحة من “شركاء في القرار” إلى “خارجين عن القانون”.

المارينز والتوقيت الاستراتيجي: قراءة أميركية للبنان

  استهداف السفارات هو بمثابة “اختبار للردع” وتغيير جذري لقواعد الاشتباك. وفي ظل “التصعيد العمودي” الذي مارسته إيران وحلفاؤها عام 2026، أثبتت التجربة الميدانية أن السفارة الأميركية في بيروت هي الأكثر تحصيناً وكفاءة استخباراتية في المنطقة. هذا الصمود يحول لبنان، رغم ضعفه الهيكلي، إلى «مرساة استراتيجية» (Strategic Anchor) لا يمكن لواشنطن أو حلفائها الاستغناء عنها. الفرصة هنا تكمن في تسويق لبنان كأكثر نقطة ارتكاز أمنية موثوقة في شرق المتوسط، مما يضمن بقاء الدولة اللبنانية تحت “مظلة الرعاية الدولية” الطارئة، ليس تعاطفاً مع بيروت، بل حمايةً لهذا المعقل الاستراتيجي المتقدم

هذا الاعتراف يُضيء على أهمية لبنان كبوابة لشرق المتوسط ومفتاح للتوازن الإقليمي ضد النفوذ الإيراني. وجود المارينز في هذا التوقيت الحرج—الذي يشهد حرباً أميركية إيرانية وغزواً إسرائيلياً لجنوب لبنان—ليس مجرد إجراء أمني، بل هو رسالة بأن التخلي عن لبنان “خيار غير مطروح أميركياً”، وهو ما يشكل بحد ذاته بوليصة تأمين دولية لبقاء الكيان اللبناني.

“شرعنة” التسليح النوعي للجيش

أمام تراجع قدرة غرفة عمليات الجيش اللبناني المنهكة اقتصادياً ولوجستياً، تبرز حاجة المحور الغربي إلى شريك محلي “فعال” لحماية مصالحه ومحيط سفارته. هذه الحاجة—المدعومة بتصنيف الأعمال العسكرية الميليشياوية كـ”إرهاب” وفق قانون العقوبات—تكسر الحظر التقليدي التاريخي على تزويد الجيش اللبناني بأسلحة نوعية. يصبح من مصلحة الأمن القومي الأميركي تسليح الجيش بأنظمة دفاع جوي متقدمة وتقنيات رصد استخباراتي، وتحويله من مجرد “قوة أمن داخلي” إلى شريك سيادي فاعل في منظومة الأمن الإقليمي.

استثمار “الإحراج الإيراني” دولياً

تعتمد استراتيجية طهران على إحراج الدول المضيفة عبر إظهارها كدول فاشلة عاجزة عن حماية ضيوفها الدبلوماسيين بموجب “اتفاقية فيينا”. لكن الدبلوماسية اللبنانية قادرة على القيام بهجوم مضاد، وتحويل هذا “الإحراج” إلى «رافعة دبلوماسية» (Leverage) عبر تظهير لبنان في المحافل الدولية كـ “دولة مختطفة” (Captive State). هذا التوصيف يبرئ الدولة من تبعات حرب المحاور، ويمنحها الحق في المطالبة بصناديق دعم دولية وإعادة إعمار لمؤسساتها الأمنية، باعتبارها تدفع من لحمها الحي ثمن صراع دولي لا ناقة لها فيه ولا جمل.

“صندوق البريد الأخير” في المنطقة

مع إغلاق المسارات الدبلوماسية وإخلاء السفارات في عدة دول بالمنطقة نتيجة الهجمات المباشرة، تبقى بيروت “النافذة الخلفية” الوحيدة للتواصل. بقاء السفارة الأميركية محصنة ومفتوحة في قلب بيئة متفجرة يجعل من لبنان «منصة تفاوض اضطرارية». هذه القيمة الجيوسياسية تمنح لبنان دوراً تاريخياً متجدداً كـ “صندوق بريد” لا يمكن شطبه من الخارطة؛ فالخصوم—حتى وهم على حافة الهاوية—يحتاجون دائماً إلى مساحة جغرافية لتبادل الرسائل ورسم التسويات.​

 من “الساحة” إلى “الضرورة”

إن تجربة عام 2026 المريرة أثبتت أن استهداف البعثات الدبلوماسية يهدد بمسح الدول الضعيفة عن الخارطة. لكن لبنان، مستنداً إلى قوة القانون (قانون العقوبات وقرارات الدولة الحازمة) وحصانة موقعه الجيوسياسي الذي ترجمه صمود سفارة عوكر، يمتلك مقومات تحويل هذا التهديد الوجودي إلى فرصة.

المقايضة واضحة: استثمار الحاجة الدولية الماسة لاستقرار هذا “الحصن الدبلوماسي”، لانتزاع غطاء دولي وتسليح نوعي يعيد الروح إلى مؤسسات الدولة. فإذا كانت “حرب المحاور” قد جعلت من لبنان ساحة لتصفية الحسابات لسنوات طويلة، فإن “ذكاء الضرورة” الاستراتيجية اليوم قد يجعل منه الشريك الأمني والسيادي الذي لا يجرؤ العالم على تركه يسقط في قلب العاصفة.

الاراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية