الجلاد المثلي” وصناعة “القديس”: كيف نحت روي كوهن قناع الفضيلة لدونالد ترامب؟
الأحد 08 آذار 2026

 

 

 

 

ريتا بولس شهوان 

في غرف المستشفيات المظلمة عام 1986، كان رجلٌ يذوي من الألم، جسده المنهك بفعل الإيدز يلفظ أنفاسه الأخيرة، بينما يصرخ في وجه الأطباء والصحافة: “أنا لست مثلياً.. أنا مصاب بسرطان الكبد!”. كان هذا الرجل هو روي كوهن، المحامي الأكثر رعباً في تاريخ أمريكا، الذي مات منبوذاً وهو ينكر هويته الحقيقية، تاركاً خلفه “تلميذاً” نجيباً سيغير وجه العالم: دونالد ترامب.

1. سيكولوجية “رهاب اللافندر”: الصياد الذي كان طريدة

المفارقة التاريخية الأكثر قسوة هي أن روي كوهن، الذي كان يعيش حياة مثلية سرية، هو نفسه الذي قاد مع السيناتور مكارثي حملة “تطهير الأخلاق” في الخمسينيات. لم يطاردوا الشيوعيين فحسب، بل أطلقوا ما عُرف بـ “رهاب اللافندر”، حيث تم طرد آلاف الموظفين الحكوميين بتهمة “المثلية” بدعوى أنها “خطر أخلاقي”.

تكتيك “الهروب للأمام”: تعلم كوهن باكراً أن أفضل طريقة لإخفاء “خطيئتك” هي أن تكون أول من يرمي الآخرين بحجر “الفضيلة”. لقد كان يمارس المثلية في الخفاء، ويشنق أصحابها في العلن، ليصنع لنفسه حصانة سياسية لا تُخترق.

2. الدرس الأول لترامب: “المحافظة” كدرع واقٍ

عندما التقى الشاب “دونالد” بروي كوهن، لم يتعلم منه القانون، بل تعلم منه “فن التنكر السياسي”. أدرك ترامب من خلال كوهن أن الجمهور المحافظ لا يحتاج لقائد يعيش حياة القديسين، بل يحتاج لـ “بلطجي” يدافع عن قيمهم بشراسة.

بنى ترامب “برانده” السياسي كحامٍ للقيم المسيحية والتقاليد المحافظة، رغم أن تاريخه في ملاهي نيويورك وزيجاته المتعددة لا يمت بصلة لهذا العالم. السر كان في “عقيدة كوهن”: “لا يهم من أنت خلف الستار، المهم من تقاتل أمام الجمهور”.

3. “الورقة البيضاء”: سلاح الوهم والاغتيال المعنوي

ذات يوم، وقف مكارثي (بإيحاء من كوهن) ملوحاً بورقة ادعى أنها تضم أسماء الخونة. كانت الورقة فارغة، لكن “الخوف” الذي زرعته كان حقيقياً.

هذا هو “الإرث المسموم” الذي نراه اليوم: القدرة على اتهام الخصوم بالخيانة، بالفساد الأخلاقي، أو بـ “معاداة الوطن” دون دليل واحد، فقط عبر “البروباغندا” واستخدام الفضيلة كـ “سلاح اغتيال معنوي”.

بالنسبة لترامب، أصبحت “المهاجرين” أو “الدولة العميقة” هي “الورقة البيضاء” الجديدة التي يلوح بها ليركع أمة كاملة تحت وطأة الخوف.

4. “دونالد يبول ثلجاً”: نهاية المعلم وبرود التلميذ

عندما تأكد ترامب أن معلمه روي كوهن مصاب بالإيدز (الوصمة التي كانت تقتل المسيرة السياسية للمحافظين حينها)، لم يتردد في التخلي عنه. سحب قضاياه من مكتب كوهن وتوقف عن الاتصال به.

قبل موته بأسابيع، قال كوهن بمرارة: “دونالد يبول ثلجاً”؛ لقد أدرك “الوحش” أن تلميذه تفوق عليه في القسوة. ترامب لم يكن لديه ولاء لأشخاص، بل كان ولاؤه الوحيد لـ “الصورة” التي رسمها لنفسه كبطل محافظ لا ينكسر.

5. كيف نجا النفاق؟

قصة كوهن وترامب هي أصدق تجسيد لـ “تجارة الخوف”. لقد علّم المحامي المثلي تلميذه الملياردير أن السياسة ليست مبادئ، بل هي “مسرحية أخلاقية” كبرى. يمكنك أن تحتقر القواعد في حياتك الخاصة، طالما أنك تصرخ بأعلى صوتك دفاعاً عنها في حياتك العامة.

مات كوهن وحيداً وموصوماً، لكنه ترك لترامب “الكتالوج” الأصلي للسيطرة: اصنع عدواً، لوّح بورقة فارغة، ادّعِ الفضيلة وأنت غارق في نقيضها، والأهم من ذلك.. لا تعتذر أبداً.

هذا هو الإرث الذي جعل من “رجل صاخب” من نيويورك إلهاً سياسياً للمحافظين؛ إنه سحر “النفاق المنظم” الذي لا يزال السياسيون يستخدمونه لاغتيال الحقيقة في وضح النهار.

الاراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية