
أكرم بزي
لم يكن الخطاب الذي ألقاه المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران آية الله السيد مجتبى الخامنئي مجرد كلمة سياسية في خضم حرب متصاعدة، بل بدا أقرب إلى بيان استراتيجي يحدد ملامح المرحلة المقبلة. فالخطاب حمل رسالة واضحة مفادها أن طهران قررت الانتقال من منطق إدارة التصعيد إلى تثبيت معادلة مواجهة طويلة مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، مع التأكيد أن هذه المواجهة لن تُحسم عبر الدبلوماسية أو التفاوض في المرحلة الحالية.
ومن خلال مضامين الخطاب، بدت القيادة الإيرانية حريصة على توجيه رسائل متعددة في آن واحد: رسالة إلى الداخل الإيراني تؤكد تماسك النظام وقدرته على إدارة الحرب، ورسالة إلى خصومها مفادها أن خيارات الضغط العسكري والاقتصادي لن تدفع إيران إلى التراجع. وفي هذا السياق، جاء التشديد على إغلاق مضيق هرمز والتلويح بأوراق ضغط أخرى ليؤكد أن طهران ما تزال تملك أدوات قادرة على التأثير في معادلات الطاقة والتوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، أعاد الخطاب التأكيد على الإطار الفكري والسياسي الذي يحكم رؤية الجمهورية الإسلامية للصراع في المنطقة، وهو الإطار الذي تأسس مع الإمام روح الله الخميني واستمر مع الإمام السيد علي الخامنئي. فالمواجهة، وفق هذا النهج، لا تُقرأ كصراع عسكري محدود، بل كجزء من مواجهة أوسع مع ما يُعرف في أدبيات الثورة الإسلامية بمنظومة الاستكبار العالمي.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الخطاب الأول للمرشد الجديد حمل مجموعة من الرسائل الواضحة على أكثر من مستوى. فقد أكد الخامنئي استمرار إيران في القتال والتصدي لما وصفه بالعدوان الغربي، مشددا على أن الجمهورية الإسلامية لن تتراجع عن موقفها في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية. وفي هذا السياق، شدد أيضا على أهمية إغلاق مضيق هرمز بوصفه إحدى أدوات الضغط الاستراتيجية التي يمكن استخدامها في مواجهة خصوم إيران إذا استمر التصعيد.
كما تضمن الخطاب وعدا صريحا بالانتقام للجرائم التي ارتكبها العدو، ولا سيما جريمة مدرسة “ميناب” التي سقط فيها عدد من الشهداء، إضافة إلى القادة الذين استهدفتهم عمليات الاغتيال خلال المواجهة الأخيرة. فالحديث عن الثأر لدماء الشهداء لم يأت في إطار عاطفي فحسب، بل جاء ضمن سياق يؤكد أن هذه الدماء ستبقى عاملا دافعا لاستمرار المواجهة وتعزيز تماسك محور المقاومة.
وفي موازاة ذلك، دعا المرشد الإيراني الجديد دول المنطقة إلى إغلاق القواعد الأميركية على أراضيها، مؤكدا أن وجود هذه القواعد يشكل أحد أبرز أسباب التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. كما أشاد بدور حلفاء إيران في جبهة المقاومة، من حزب الله في لبنان إلى القوى الفلسطينية والحوثيين في اليمن والفصائل العراقية، معتبرا أن هذه القوى تشكل معا جبهة متكاملة في مواجهة المشروع الإسرائيلي والوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
هذا التصور يعكس الرؤية التي يقوم عليها محور المقاومة منذ سنوات، والتي تقوم على اعتبار أن ساحات المواجهة المختلفة ليست منفصلة عن بعضها البعض، بل تشكل في جوهرها جبهة واحدة تتقاطع أهدافها في مواجهة إسرائيل والوجود العسكري الأميركي في المنطقة. ومن هنا تأتي الإشارة الواضحة في الخطاب إلى استمرار التنسيق والتكامل بين هذه الساحات، بما يعكس ما بات يعرف في الأدبيات السياسية لمحور المقاومة بوحدة الجبهات أو وحدة المعركة.
وفي قلب هذه المعادلة تبرز قضايا المستضعفين في العالم بوصفها الركن الأخلاقي والإنساني الذي يمنح هذا الخطاب معناه الأوسع. فالدفاع عن المستضعفين، في أدبيات الثورة الإسلامية، لا يقتصر على جغرافيا محددة، بل يشمل كل الشعوب التي تواجه الاحتلال أو الهيمنة أو الظلم السياسي والاقتصادي. ومن هذا المنطلق، يتم تقديم الصراع في المنطقة بوصفه جزءا من معركة أوسع تتصل بمصير الشعوب التي تسعى إلى التحرر واستعادة سيادتها وكرامتها.
كما أن الحديث عن “مسيرة جبهة الحق” في الخطاب يعكس البعد العقائدي الذي يرافق هذا النهج السياسي. فالمواجهة، في هذا السياق، لا تُقدَّم بوصفها نزاعا سياسيا تقليديا بين دول، بل بوصفها صراعا بين مشروعين متعارضين: مشروع الهيمنة الذي تمثله إسرائيل وحلفاؤها، ومشروع المقاومة الذي يسعى هذا المحور إلى ترسيخه في المنطقة دفاعا عن الشعوب المظلومة وعن حقها في الاستقلال والسيادة.
وفي قراءة أوسع لمضامين الخطاب، يمكن القول إن الرسالة التي أراد المرشد الجديد إيصالها تتجاوز البعد الخطابي إلى إعلان موقف استراتيجي واضح. فالتفسير السياسي للخطاب يشير إلى أن إيران تعلن عملياً استمرار الحرب من دون الانخراط في أي مسار تفاوضي في المرحلة الحالية. فالخطاب حمل إشارة صريحة إلى أن خيار التفاوض أو الدبلوماسية ليس مطروحا في ظل ما تعتبره طهران عدوانا مباشرا عليها.
كما أن التشديد على إغلاق مضيق هرمز بوصفه خيارا قائما يعكس قرارا استراتيجيا يصدر من أعلى هرم السلطة في البلاد، في إشارة إلى أن هذا الخيار لا يندرج في إطار التهديد السياسي فقط، بل يمكن أن يتحول إلى خطوة عملية إذا استمرت المواجهة. وفي السياق نفسه، يبرز التلميح إلى استمرار استهداف القواعد الأميركية في دول الجوار بوصفها جزءا من معادلة الرد على الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
ومن بين الرسائل التي حملها الخطاب أيضا محاولة إظهار تماسك النظام الإيراني في مواجهة الحرب. فالخطاب قدم صورة عن وحدة الموقف داخل مؤسسات الدولة، بدءا من المرشد الأعلى مرورا بالحرس الثوري وقوات الباسيج والمؤسسات الأمنية، وصولا إلى القيادات السياسية التي تدير شؤون البلاد، بما في ذلك شخصيات مثل علي لاريجاني والرئيس مسعود بزشكيان. وهذه الصورة تهدف إلى التأكيد أن مؤسسات الحكم في إيران تقف على قلب رجل واحد في إدارة المواجهة.
بهذا المعنى، يمكن قراءة الخطاب بوصفه بيانا سياسيا لإعلان استمرار الحرب، ورسالة مفادها أن طهران لا ترى في المرحلة الراهنة مجالا للخضوع أو التراجع أو القبول بهدنة. فالرسالة الأساسية التي يبعث بها الخطاب هي أن إيران مستعدة لمواصلة المواجهة مهما طال أمدها، وأنها تعتبر هذه المعركة جزءا من صراع أوسع مع منظومة الهيمنة العالمية.
في المحصلة، يعكس خطاب السيد مجتبى الخامنئي محاولة واضحة لتثبيت معادلة استراتيجية تقوم على الجمع بين الإرث الفكري للثورة الإسلامية وبين متطلبات الصراع الإقليمي الراهن. فهو من جهة يؤكد الاستمرار في النهج الذي وضع أسسه الإمام الخميني وتابع مساره الإمام الخامنئي، ومن جهة أخرى يبعث برسائل واضحة مفادها أن محور المقاومة يمتلك من أوراق القوة ما يكفي لمواصلة المواجهة، وأن هذه الحرب – في نظر القيادة الإيرانية – لم تعد مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل معركة طويلة تتعلق بمستقبل موازين القوى في المنطقة.