محمد الجواد
في قراءة الزيارات الرئاسية الأميركية إلى الصين، لا ينبغي أن يكون الحدث بحدّ ذاته نقطة التحليل، بل السياق البنيوي الذي يستدعيه ويمنحه المعنى. فمنذ زيارة ريتشارد نيكسون إلى الصين عام 1972، شكّلت الزيارات الرئاسية الأميركية إلى الصين مؤشراً متقدّماً على تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي، وعلى مراجعة أميركية لموقعها داخله. غير أن الزيارة بحدّ ذاتها لم تكن سبباً في التحوّل في النظام العالمي، بل تعبيراً عن حصوله، أو محاولة متأخرة لإدارته.
المفارقة أن كل زيارة رئاسية أميركية إلى الصين جاءت متلازمة مع تحوّل في ميزان القوى الدولي. فواقعياً، لا تحصل هذه الزيارات إلا عندما يتغيّر موقع الصين في ميزان القوة العالمي، أو عندما يتآكل التفوّق الأميركي بالقدر الذي يفرض إعادة تعريف العلاقة، أو حين يظهر خطر استراتيجي لا يمكن احتواؤه من دون تفاهم مباشر على أعلى مستوى.
فعمّ تبحث واشنطن في قلب الصين؟ ولماذا يذهب ترامب إلى “التنين” في هذا التوقيت؟
تسعى واشنطن، بشكل غير معلن، إلى دفع الصين للتدخل كوسيط يساهم في احتواء الحرب المستعرة في إيران، في ظل ما تعانيه الإدارة الأميركية من ضغوط تضخمية، واستنزاف عسكري مرتبط بالصواريخ، وتهديدات لأمن الملاحة في مضيق هرمز. وترى في بكين طرفاً قادراً على ممارسة ضغط فعلي على طهران.
وفي الوقت نفسه، تبحث واشنطن عن صيغة تضمن عدم إقدام الصين على قطع إمدادات المعادن الأرضية النادرة بشكل فوري، مثل الغاليوم والجرمانيوم، إذ تحتاج الصناعات الأميركية إلى هذه المعادن لكسب الوقت من أجل تطوير سلاسل إمداد بديلة بعيدة عن الهيمنة الصينية.
إلى جانب ذلك، يسعى ترامب إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية داخلية، عبر انتصار “صوري” أمام ناخبيه، كإجبار الصين على توقيع صفقات شراء ضخمة لطائرات بوينغ وفول الصويا الأميركي، بهدف امتصاص غضب قطاعات العمال والمزارعين المتضررين من حرب الرسوم الجمركية عام 2025.
كما يبرز ملف تايوان بوصفه أحد أبرز محاور التفاوض غير المعلن، إذ قد تقدّم واشنطن إشارات مرنة تتعلق بصفقات السلاح الموجّهة إلى تايوان، في محاولة لاختبار مدى استعداد بكين لتقديم تنازلات مقابلة في ملفات التكنولوجيا الاستراتيجية والأمن الإقليمي.
من هنا، يمكن مقارنة زيارة ترامب المرتقبة بزيارتي نيكسون وأوباما من حيث التوقيت لا المضمون. وكما في الحالتين السابقتين، تأتي الزيارة في لحظة إدراك أميركي بأن أدوات القوة التقليدية لم تعد كافية، وأن العلاقة مع الصين لم تعد قابلة للإدارة من موقع الإملاء.
إلا أن المضمون يختلف جذرياً بين زيارة ترامب والزيارتين السابقتين: فزيارة نيكسون فتحت باباً استراتيجياً جديداً، بينما حاول أوباما فرملة صراع بدا آنذاك شبه حتمي، بعدما بدأ النظام الذي بُني لاستيعاب صعود الصين يتغيّر بفعل هذا الصعود نفسه.
وعليه، تبدو زيارة ترامب المرتقبة محاولة لضبط الفوضى لا لحلّ التنافس، ومسعىً لمنع تحوّل الصراع إلى صدام مباشر. فهي لا تؤسس لنظام دولي جديد بقدر ما تعكس اعترافاً أميركياً بأن النظام الذي قادته واشنطن لعقود لم يعد قابلاً للإدارة بالأدوات نفسها.