بقلم: أسامة الحسيني
من يرفع عينيه اليوم نحو تلال الجنوب اللبناني، يدرك أن المساحة الفاصلة بين الحرب والسلم ليست أكثر من خيط تحركه خيوط طهران وواشنطن. هنا، في القرى التي تذوّقت مرارة الغارات والنزوح، لا نقرأ الأخبار عبر شاشات التلفزة، بل نترجمها من صوت المسيّرات في السماء، ومن حذر الأهالي الذين يرقبون بلدات الشريط الأمامي الممنوع عليهم الاقتراب منها. نحن نعيش تفاصيل "الهدنة" ليس كإنجاز، بل كاستراحة محارب شديدة الهشاشة.
هدنة الـ 45 يوماً:
تهدئة فوق صفيح ساخن
مع دخولنا في تمديد الهدنة الجديد لمدة 45 يوماً برعاية أمريكية، لم يتغير المشهد الميداني كثيراً بالنسبة لنا. إسرائيل، التي وقعت اتفاقاً لوقف إطلاق النار مع طهران برعاية باكستانية، سارعت على لسان رئيس وزرائها ورئيس الإدارة الأمريكية دونالد ترامب إلى التأكيد على أن "لبنان ليس جزءاً من هذا الاتفاق".
بالنسبة لنا كجنوبيين، هذا التصريح لم يكن مفاجئاً، فالواقع على الأرض يثبت ذلك يومياً:
خرق مستمر للهدنة:
الغارات الإسرائيلية لم تتوقف ابدا؛ بل تحولت إلى استهدافات مقوضة لقرى قضاء النبطية وصور (مثل يحمر الشقيف وأرزاي وجويا وديرقانون النهر والعباسية وغيرها)، تحت ذريعة تقييد تحركات حزب الله.
حظر العودة الكاملة:
ما زال جيش الاحتلال يفرض سيطرة نارية ويمنع الأهالي من العودة إلى أكثر من 55 بلدة في النسق الحدودي الأول والثاني، مما يترك جرح النزوح مفتوحاً.
معادلة فصل المسارات:
يُراد للجنوب أن يدفع فاتورة حرب منفصلة، حيث تتعامل إسرائيل مع الدولة اللبنانية بهدنة سياسية في بيروت، بينما تبقي يدها طليقة عسكرياً في الجنوب بحجة تفكيك البنية التحتية لحزب الله.
الملف الإيراني-الأمريكي:
حين يكتب الإقليم مصير قُرانا
لا يمكن لأي جنوبي أن يفصل أنين قريته عن حشرجة المفاوضات بين طهران وواشنطن. الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار (بين أمريكا وإيران) والهدنات المتلاحقة التي أعلنها ترامب، بدت وكأنها محاولة لترتيب أوراق البيت النووي والنفطي وممرات الملاحة في هرمز، لكنها تركت الأوراق اللبنانية معلقة.
إيران ترفض تقديم تنازلات جوهرية في ملف اليورانيوم المخصب دون رفع كامل للعقوبات، وتتمسك بأوراق قوتها الإقليمية، وفي مقدمتها حزب الله في لبنان. وفي المقابل، تضغط واشنطن لانتزاع ترتيبات أمنية جديدة عند الحدود مع فلسطين المحتلة، مستغلة الإنهاك العسكري والاقتصادي.
هذا التجاذب يجعل من الجنوب ساحة لتبادل الرسائل؛ كلما تعثرت مفاوضات واشنطن وطهران، ارتفعت حرارة جبهتنا، وكلما لاحت بوادر تفاهم، عشنا أياماً من الهدوء الحذر.
شروط أمريكية ومسارات حزيران:
تتجه الأنظار اليوم إلى مطلع شهر حزيران/يونيو المقبل، حيث من المفترض أن تستضيف واشنطن اجتماعات لبحث "آلية تنسيق عسكري" وبسط سيطرة الدولة اللبنانية والجيش على جنوب الليطاني، كجزء من الشروط الأمريكية لتثبيت وقف إطلاق النار.
لكن السؤال الذي يطرحه كل جنوبي يجلس فوق أنقاض منزله في "معركة" أو "عيتا" أو "الخيام": هل يملك لبنان الرسمي القدرة على فرض شروط تضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي المحتلة وعودة آمنة للنازحين؟ أم أن شروط نزع سلاح المقاومة ستكون الفتيل الذي يفجر الهدنة قبل انتهاء مهلة الـ 45 يوماً؟
من قلب المعاناة
الجنوب اليوم ليس مجرد "صندوق بريد" كما يحلو للبعض تسميته، بل هو مجتمع نابض بالصمود والوجع. نحن الذين جربنا الحروب والاتفاقيات الدولية من الـ 425 إلى الـ 1701، نعلم أن السلام لا يصنع بالنوايا الأمريكية، ولا بالتوازنات الإيرانية، بل بضمانات حقيقية تحمي أرواحنا وأرزاقنا.
حتى يتحول وقف إطلاق النار الجزئي والملغوم إلى هدوء دائم، سيبقى أهل الجنوب متمسكين بأرضهم، وعيونهم شاخصة نحو السماء... يرقبون طائرات الاستطلاع، وينتظرون فجر عودة حقيقية لم يكتمل نصابها بعد.