أسامة الحسيني
بين أزيز الرصاص ودويّ الانفجارات، تبرز دائمًا وجوهٌ تُصرّ على أن تكون بقعة الضوء وسط العتمة.
لم يكن الشهيد علي علامي مجرد اسمٍ مرّ عابرًا في تاريخ بلدتنا، بل كان النبض الذي يربط القلوب المذعورة بأرضها، واليد التي امتدت لتلمس أوجاع الناس قبل أن يسبقها أحد.
صوتُ الطمأنينة وسط الركام
طيلة الحربين الأولى والثانية، وفي أحلك الظروف وأقساها، كان علي حاضرًا في الميدان كأنه ملاكٌ حارس. لم تكن رسائله التي ينقلها لحظة بلحظة مجرد نصوصٍ جافة أو تقارير عابرة، بل كانت بلسمًا يطمئن القلوب القلقة، وصوتًا يبعث الأمل في النفوس وسط غبار المعارك وتصاعد النيران.
بالتوازي مع فرق الإسعاف التي كانت تخترق الخطر، كان علي يمثّل "مسعفًا من نوع آخر"؛ مسعفًا للروح والخبر اليقين. كان يركض نحو أماكن الاستهداف، لا يلتفت إلى الخلف، ولا يبالي بتهديد أو خوف، مدفوعًا بغيرته الصادقة وحبه اللامحدود لأهله وبلدته. كان ابن البلدة البار الذي يحمل هموم الجميع على كتفيه، ويسابق الوقت لتقديم يد العون والمؤازرة لكل محتاج.
بلسمٌ للأهالي وسندٌ للصامدين
ولم تقتصر شجاعته على نقل ا ومساندة المسعفين فحسب، بل تجلّت إنسانيته في تفاصيل الصمود اليومي؛ إذ أصرّ على البقاء في البلدة ملتصقًا بأرضه وأهله، مسخرًا وقته لخدمة أهالي البلدة والجوار الصامدين بوجه العدوان. فكان يطوف بينهم، يحلق شعرهم "مجانًا" وبكل حب، ليخفف عنهم عبء الحصار والخوف، ويرسم على وجوههم ابتسامة كبرياء وتحدٍّ. لقد كان يرى في خدمة الصامدين واجبًا مقدسًا يوازي في قيمته أي عمل نضالي آخر.
غيابٌ يترك فراغًا موجعًا
اليوم، يخيّم الصمتُ على تلك المنصات والزوايا التي اعتادت صوته، وتفتقده الوجوه التي كان يمسح عنها غبار الحرب بلطفه. نفتقده اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ نفقده في غياب تلك الرسائل التي كانت تأتينا لتطفئ نار القلق في قلوبنا. رحل علي جسدًا، وترك خلفه فراغًا لا يسدّه غير ذكراه العطرة.
لكنّ الرجال الكبار لا يرحلون دون أثر. إن الإرث الإنساني النبيل الذي خطّه علي علامي بدمه وجهده وشجاعته سيبقى محفورًا في ذاكرة البلدة، وفي وجدان كلّ من عرف صدقه وعاش معه تلك اللحظات العصيبة.
خاتمة ودعاء:
نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الشهيد البطل علي علامي بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته في أعلى عليين، مع النبيين والصالحين والشهداء وحسُن أولئك رفيقًا. عظم الله أجر أهله ومحبيه، وجعل كل ما قدّمه من تضحيات وفداء في ميزان حسناته... ستبقى حاضرًا في قلوبنا يا علي.