عَدَسَةٌ تَعَمَّدَتْ بِالدَّمِ - أَحْمَد حَرِيرِي.. حِينَ يَصِيرُ المُوَثِّقُ هُوَ الصُّورَةَ وَالخَبَرَ
Osama
الأحد 24 أيار 2026

أسامة الحسيني 

فِي جَنُوبِ لُبْنَانَ، حَيْثُ تَمْتَزِجُ رَائِحَةُ التُّرَابِ بِأَقْسَى أَنْوَاعِ المَأْسَاةِ، تَعْتَادُ العَيْنُ عَلَى رُؤْيَةِ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ أَرْوَاحَهُمْ عَلَى أَكُفِّهِمْ. لَكِنَّ إستشهاد أَحْمَد حَرِيرِي لَيْسَ مُجَرَّدَ رَقَمٍ يُضَافُ إِلَى قَائِمَةِ الشُّهَدَاءِ، بَلْ هُوَ انْطِفَاءُ عَيْنٍ كَانَتْ تَرَى وَجَعَ النَّاسِ فَتَبْكِيهِ، وَتَمُدُّ يَدًا لِتَمْسَحَهُ.

لَمْ يَكُنْ أَحْمَد مُصَوِّرًا مَيْدَانِيًّا يَقِفُ خَلْفَ العَدَسَةِ لِيَلْتَقِطَ كَادْرًا جَمِيلًا أَوْ مَشْهَدًا مُثِيرًا؛ كَانَ صَاحِبَ قَضِيَّةٍ إِنْسَانِيَّةٍ مَحْضَةٍ. عَرَفَتْهُ تِلْكَ القُرَى المَجْرُوحَةُ بِسَمَارِ جَبْهَتِهِ وَنَقَاءِ مَعْشَرِهِ، رَجُلًا خَلُوقًا، مُهَذَّبًا، يَسْبِقُ الخَوْفَ إِلَى مَوَاقِعِ الغَارَاتِ. وَمِنْ رَحِمِ هَذِهِ الأَرْضِ المِقْدَامَةِ، تَرَبَّى أَحْمَد فِي صُفُوفِ "حَرَكَةِ أَمَلْ"، فَتَشَرَّبَ مَعَانِي التَّضْحِيَةِ وَالوَفَاءِ لِلأَرْضِ وَالإِنْسَانِ، لِيَكُونَ ابْنًا بَارًّا لِهَذَا النَّهْجِ المُقَاوِمِ بِعَمَلِهِ الرِّسَالِيِّ؛ حَامِلًا فِي قَلْبِهِ وَمَيْدَانِهِ رَايَةَ الإِمَامِ المُغَيَّبِ السَّيِّدِ مُوسَى الصَّدْرِ بِأَنَّ "إِسْرَائِيلَ شَرٌّ مُطْلَقٌ وَالتَّعَامُلُ مَعَهَا حَرَامٌ".

فَفِي يَدِهِ الأُولَى كَانَتْ الكَامِيرَا سِلَاحًا لِنَقْلِ الحَقِيقَةِ المُبْكِيَةِ وَفَضْحِ غَدْرِ هَذَا الشَّرِّ، وَفِي يَدِهِ الأُخْرَى كَانَتْ سُتْرَةُ الإِسْعَافِ فِي جَمْعِيَّةِ الرِّسَالَةِ لِلإِسْعَافِ الصِّحِّيِّ هِيَ المَلَاذُ الأَخِيرُ لِجَرْحَى يَنْتَشِلُهُمْ مِنْ تَحْتِ الرُّكَامِ، وَشُهَدَاءِ يَحْمِلُهُمْ عَلَى كَتِفَيْهِ بِكُلِّ إِجْلَالٍ. 

مَضَى أَحْمَد شَهِيدًا وَهُوَ يُجَسِّدُ تِلْكَ الوَصِيَّةَ عَمَلِيًّا، مُوَاجِهًا هَمَجِيَّةَ العُدْوَانِ بِثَبَاتِ الحُسَيْنِيِّينَ الَّذِينَ لَا يَهَابُونَ المَوْتَ فِي سَبِيلِ كَرَامَةِ أَهْلِهِمْ.

كَمْ هِيَ قَاسِيَةٌ هَذِهِ المَفَارَقَةُ الَّتِي نَعِيشُهَا اليَوْمَ فِي الصَّحَافَةِ وَالعَمَلِ الإِنْسَانِيِّ. أَحْمَد، الَّذِي أَمْضَى أَيَّامَهُ يُسَابِقُ النَّارَ لِيَنْقِلَ لِلْعَالَمِ صُورَةَ الخَبَرِ وَتَفَاصِيلَ الأَلَمِ، بَاتَ اليَوْمَ هُوَ بِنَفْسِهِ "الصُّورَةَ وَالخَبَرَ".

 غَارَةٌ غَادِرَةٌ لَمْ تَحْتَرِمْ حُرْمَةَ العَمَلِ الإِنْسَانِيِّ، وَلَا شَارَةَ الإِسْعَافِ، اخْتَطَفَتْهُ وَهُوَ يُحَاوِلُ بَذْلَ حَيَاتِهِ لِإِنْقَاذِ آخَرِينَ.

إِنَّ رَحِيلَ هَذَا الشَّابِّ المُكَافِحِ يَتْرُكُ فِجَاجًا عَمِيقًا فِي قُلُوبِ كُلِّ مَنْ عَرَفُوهُ. لَقَدْ كَانَ صَدِيقَ الجَمِيعِ، نَسْمَةً طَيِّبَةً فِي زَمَنٍ قَاسٍ. نَعْيُهُ اليَوْمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَبَرٍ عَاجِلٍ يَمُرُّ عَلَى شَاشَاتِ المَنَصَّاتِ الإِخْبَارِيَّةِ، بَلْ هُوَ شَهَادَةٌ حَيَّةٌ عَلَى أَنَّ الحَقِيقَةَ فِي بِلَادِنَا تُكْتَبُ بِالدَّمِ، وَأَنَّ تِلْكَ العَدَسَةَ الَّتِي رَحَلَ صَاحِبُهَا سَتَبْقَى شَاخِصَةً، تَرْوِي لِلأَجْيَالِ قِصَّةَ بَطَلٍ حَرَكِيٍّ لَمْ يَتَرَاجَعْ يَوْمًا عَنْ نُصْرَةِ المَوْجُوعِينَ.

نَمْ قَرِيرَ العَيْنِ يَا أَحْمَدُ، فَقَدْ أَدَّيْتَ الأَمَانَةَ، وَنَقَلْتَ رِسَالَتَكَ الأَخِيرَةَ بِأَغْلَى مَا تَمْلِكُ. وَسَتَبْقَى صُورَتُكَ شَمْسًا لَا تَغِيبُ فِي سَمَاءِ الجَنُوبِ.

الاراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية