بين التوسع الميداني والاستنزاف المتصاعد - جنوب لبنان يكشف حدود القوة الإسرائيلية
Osama
الأحد 31 أيار 2026

أسامة الحسيني 

تتزايد المؤشرات الصادرة من الداخل الإسرائيلي على اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن إنجازات ميدانية متراكمة في جنوب لبنان، وبين تقييمات عسكرية وإعلامية ترى أن الوقائع على الأرض ترسم صورة مختلفة تمامًا. فمع كل إعلان عن توسيع نطاق العمليات البرية والتقدم نحو مناطق جديدة داخل الأراضي اللبنانية، تتصاعد في المقابل التحذيرات من أن هذا التوسع يتحول تدريجيًا إلى عبء استنزافي مكلف على المستويين العسكري والبشري.

 

وخلال الأسابيع الأخيرة، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق انتشاره داخل الجنوب اللبناني متجاوزًا العديد من المحاور التي كانت تشكل خطوط تماس سابقة، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة وتقديم صورة توحي بتحقيق تقدم عسكري. إلا أن هذا التوسع لم ينجح في إنهاء التهديدات التي تواجه القوات الإسرائيلية، بل ترافق مع استمرار سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود، نتيجة الهجمات التي تستهدف الآليات والوحدات المنتشرة داخل الأراضي اللبنانية.

 

وترى أوساط عسكرية وإعلامية إسرائيلية أن السيطرة على مساحات إضافية لا تعني بالضرورة تحقيق مكاسب استراتيجية حاسمة، إذ إن الانتشار على رقعة جغرافية أوسع يزيد من حجم الأهداف المكشوفة أمام المقاومة، ويجعل حماية القوات والآليات أكثر تعقيدًا. ومن هذا المنطلق، يبرز الجنوب اللبناني بالنسبة إلى العديد من المراقبين الإسرائيليين كساحة استنزاف مفتوحة أكثر منه ساحة حسم عسكري سريع.

 

ويأتي ملف الطائرات المسيّرة في صدارة التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. فقد أظهرت التطورات الأخيرة استمرار قدرة المقاومة على تنفيذ هجمات دقيقة ضد القوات المنتشرة داخل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي انعكس خسائر بشرية وإصابات متكررة في صفوف الجنود، وأعاد إلى الواجهة الانتقادات الموجهة إلى القيادات العسكرية بشأن جدوى الخطط المعتمدة في إدارة المعركة.

 

كما لم تقتصر تداعيات هذه الهجمات على الوحدات القتالية فحسب، بل امتدت إلى القطاعات الهندسية واللوجستية، حيث واجهت عمليات التجريف وتدمير البنى التحتية صعوبات متزايدة نتيجة استهداف المعدات والآليات، ما أدى إلى إبطاء بعض المهام الميدانية وفتح باب السجال بين المستويين العسكري والسياسي حول أسباب الإخفاقات المتراكمة.

 

وفي الوقت الذي كانت فيه المقاومة اللبنانية تلتزم خلال الفترة الماضية بضوابط ميدانية حدّت من نطاق عملياتها، ولم تشهد الجبهة الشمالية لفلسطين المحتلة مستوى الاستهداف الذي شهدته مراحل سابقة من الحرب، واصلت إسرائيل عملياتها العسكرية بوتيرة متصاعدة داخل لبنان. إلا أن الأيام الأخيرة شهدت عودة المقاومة إلى استهداف تجمعات ومراكز عسكرية إسرائيلية، في ظل استمرار الاعتداءات واتساع رقعة القصف الإسرائيلي.

 

وفي المقابل، لم تتراجع وتيرة العمليات الإسرائيلية، بل شهدت تصاعدًا ملحوظًا من خلال تكثيف الغارات الجوية والقصف المدفعي واستهداف المناطق السكنية والبنى المدنية. وقد تعرضت مدينة صور خلال الساعات الأخيرة لقصف كثيف، في امتداد لسلسلة طويلة من الاعتداءات التي طالت المدينة ومحيطها خلال الأشهر الماضية. كما تستمر الغارات في استهداف مبانٍ سكنية ومناطق مأهولة لا يزال يقطنها مواطنون متمسكون بالبقاء في أرضهم رغم المخاطر اليومية، ما يفاقم حجم الدمار والخسائر الإنسانية ويزيد من معاناة السكان المدنيين.

 

في المقابل، تبدو الجبهة الداخلية الإسرائيلية أمام اختبار متواصل. فالمستوطنات الشمالية ما زالت تعيش تحت وطأة التهديدات الأمنية والصواريخ والطائرات المسيّرة، الأمر الذي ولّد حالة متصاعدة من الغضب والقلق بين السكان، وسط انتقادات متزايدة للحكومة بسبب عجزها عن توفير شعور بالأمن أو إعادة الحياة الطبيعية إلى تلك المناطق.

 

وتضاعفت هذه الانتقادات بعد تعرض عدد من البلدات لإصابات مباشرة ألحقت أضرارًا بالممتلكات والمصالح التجارية، فيما يطرح السكان تساؤلات متكررة حول جدوى استمرار العمليات العسكرية إذا كانت غير قادرة على إنهاء التهديدات التي تواجههم بصورة يومية.

 

سياسيًا، تتزامن هذه الضغوط مع مسار تفاوضي ترعاه الولايات المتحدة بهدف التوصل إلى ترتيبات أمنية جديدة على الحدود اللبنانية. إلا أن الخلافات ما تزال قائمة حول ملفات أساسية، أبرزها مسألة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة وطبيعة الضمانات الأمنية المطلوبة في أي اتفاق محتمل.

 

وتسعى واشنطن إلى دفع الأطراف نحو تسوية تندرج ضمن رؤية إقليمية أوسع لإعادة ترتيب المشهد السياسي والأمني في المنطقة، غير أن إسرائيل لا تزال تحاول استثمار الوقت لتحقيق مكاسب ميدانية أو سياسية إضافية قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي، بما يسمح لها بتحسين صورتها أمام جمهورها الداخلي والتخفيف من وقع الإخفاقات المتراكمة.

 

أما في لبنان، فتتواصل الانتقادات الموجهة إلى السلطة الرسمية بسبب محدودية هامش حركتها السياسية وخضوعها لضغوط خارجية متزايدة. ويرى منتقدون أن الأداء الرسمي اللبناني لا يواكب حجم التحديات المطروحة، وأنه عاجز عن استثمار عناصر القوة المتاحة أو فرض شروط تفاوضية أكثر توازنًا تحفظ المصالح الوطنية والسيادة اللبنانية.

 

وبين من يراهن على الدبلوماسية كمدخل وحيد لوقف الحرب، ومن يرى أن أي تسوية تُفرض في ظل موازين القوى الحالية قد تأتي على حساب الحقوق اللبنانية، يستمر الجدل حول مستقبل المرحلة المقبلة وشكل الترتيبات التي يجري العمل عليها.

 

وفي خلفية المشهد، تبدو الرؤية الأميركية للبنان جزءًا من مقاربة إقليمية شاملة تتجاوز حدود وقف إطلاق النار، حيث تنظر واشنطن إلى الساحة اللبنانية باعتبارها إحدى ساحات إعادة رسم التوازنات والنفوذ في المنطقة، وتسعى إلى توظيف أي تسوية مقبلة ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط.

 

وبين توسع العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية، واستمرار الخسائر العسكرية والبشرية، وتصاعد الاستهدافات التي تطال المدن والبلدات الجنوبية وسكانها المدنيين، وتعقيدات المسارات السياسية والدبلوماسية، يبقى جنوب لبنان في قلب مواجهة مفتوحة لم تنجح حتى الآن في تحقيق الحسم الذي تسعى إليه تل أبيب، فيما تتزايد المؤشرات على أن كلفة الحرب تتراكم ميدانيًا وسياسيًا مع مرور الوقت.

الاراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية