الامتحانات الرسمية بين الواقع الميداني وإصرار وزارة التربية
خاص "كن مواطن"
Osama
الأربعاء 10 حزيران 2026

أسامة الحسيني- رئيس التحرير

في الوقت الذي يعيش فيه الجنوب اللبناني تحت وطأة عدوان متواصل وتصعيد يومي يطال القرى والبلدات والبنى التحتية، يبرز إصرار وزارة التربية على إجراء الامتحانات الرسمية وكأنه منفصل عن الواقع الذي يعيشه آلاف الطلاب وعائلاتهم.

 

فآلاف التلامذة ما زالوا يعانون من ظروف النزوح وعدم الاستقرار، فيما تجد العديد من العائلات صعوبة كبيرة في التنقل بين المناطق نتيجة الأوضاع الأمنية المعقدة. وبينما يُفترض أن تكون الامتحانات محطة تربوية تتطلب الحد الأدنى من الاستقرار النفسي والذهني، يجد كثير من الطلاب أنفسهم أمام تحديات تتجاوز الدراسة والتحضير إلى القلق على سلامتهم الشخصية.

 

وتزداد علامات الاستفهام مع الحديث عن عدم وجود تنسيق كافٍ مع الجهات المعنية بالأوضاع الميدانية والأمنية، في وقت لا تزال فيه مدارس عديدة في بيروت وجبل لبنان تستضيف نازحين، ما يطرح تساؤلات جدية حول الجهوزية اللوجستية لاستقبال الامتحانات بالشكل المطلوب.

 

كما أثار رفض بعض المقترحات المتعلقة بإجراء الامتحانات عن بُعد في المناطق الأكثر تعرضاً للتوتر الأمني، مثل صيدا والنبطية وصور، نقاشاً واسعاً داخل الأوساط التربوية والأكاديمية، خصوصاً أن أجزاء واسعة من هذه المناطق تعيش ظروفاً استثنائية لا تشبه الظروف الطبيعية التي تُجرى فيها الامتحانات عادة.

 

إن جوهر الاعتراض لا يتعلق بالامتحانات بحد ذاتها، بل بمدى قدرة الطلاب على خوضها في بيئة آمنة ومستقرة. فالعدالة التربوية لا تعني فقط إجراء الامتحان، بل توفير الظروف المتكافئة التي تسمح لجميع الطلاب بالتقدم إليه من دون خوف أو ضغط أو مخاطر إضافية.

 

فكيف يمكن مطالبة طالب نازح، أو طالب يعيش تحت وقع الغارات والتهديدات اليومية، بأن يخوض امتحاناً مصيرياً يتطلب أعلى درجات التركيز والهدوء النفسي؟ وكيف يمكن الحديث عن تكافؤ الفرص بين طالب يعيش في منطقة مستقرة وآخر يواجه ظروفاً استثنائية تتعلق بأمنه وسلامته وسلامة عائلته؟

 

وفي ظل هذا الواقع، قد يكون من المفيد أن تنتقل معالي وزيرة التربية لبعض الوقت إلى إحدى المدن الجنوبية، وأن تعايش يومياً الظروف نفسها التي يُطلب من الطلاب وأهاليهم التكيّف معها. فمَن يطلب من آلاف التلامذة التنقل وسط المخاطر والقلق الأمني للوصول إلى قاعات الامتحانات، يفترض به أولاً أن يدرك حجم التحديات التي يواجهونها على الأرض.

 

فالامتحانات لا تحتاج إلى مقاعد وأوراق فحسب، بل تحتاج قبل كل شيء إلى شعور بالأمان واستقرار نفسي يسمح للطالب بالتركيز على مستقبله بدلاً من الانشغال بمخاوف الطريق وما قد يحمله النهار من تطورات ميدانية. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والتربوية تقتضي الإنصات إلى معاناة الطلاب وعائلاتهم، لا مطالبتهم بتحمّل ما يفوق قدرتهم في ظروف استثنائية لم يختاروها.

الاراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية