زياد منصور
يمرّ لبنان اليوم بمرحلة تُعدّ من أدقّ المراحل في تاريخه الحديث، في ظل أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متشابكة، تجعل أي توتر داخلي قابلاً للتحول إلى أزمة وطنية شاملة.
وفي خضم هذه الظروف، تتزايد المخاوف من وجود جهات داخلية تتقاطع مصالحها مع أجندات خارجية، تعمل على استغلال حالة الانقسام السياسي والمذهبي لإشعال الفتنة بين اللبنانيين، ودفع البلاد نحو صراع داخلي لا يخدم إلا من يسعى إلى إضعاف لبنان واستنزافه.
إن أخطر ما يمكن أن يواجهه اللبنانيون اليوم ليس الاختلاف السياسي بحد ذاته، بل محاولة نقل هذا الخلاف إلى الشارع، وتحويله إلى مواجهة بين أبناء الوطن الواحد، بما يفتح الباب أمام الفوضى والانقسام، ويعيد إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهلية التي دفع اللبنانيون أثماناً باهظة للخروج منها.
وفي هذا السياق، تبرز المؤسسة العسكرية باعتبارها الركيزة الأساسية المتبقية لحماية الاستقرار الوطني. فالجيش اللبناني، رغم التحديات الكبيرة التي يواجهها، يبقى مؤسسة جامعة تضم أبناء جميع المناطق والطوائف، وأي محاولة للنيل من وحدته أو زجّه في صراعات داخلية أو إضعاف الثقة به، إنما تمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي ولمقومات الدولة نفسها.
كما أن الانجرار إلى الشارع باعتباره وسيلة لحل الأزمات السياسية لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام ورفع مستوى الاحتقان، وسيمنح دعاة الفتنة فرصة لتحقيق أهدافهم. فالشارع لا يبني دولة، ولا يصنع حلولاً، بل قد يتحول إلى ساحة مواجهة يدفع ثمنها جميع اللبنانيين، فيما يبقى الحوار والاحتكام إلى المؤسسات الدستورية السبيل الوحيد لمعالجة الخلافات الوطنية، مهما بلغت حدتها.
لقد أثبتت التجارب أن الفتنة، متى اشتعلت، لا تميز بين منطقة وأخرى، ولا بين طائفة وأخرى، بل تحرق الجميع دون استثناء. ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على جميع القوى السياسية والاجتماعية والإعلامية رفض خطاب التحريض، وعدم الانجرار خلف الدعوات التي تؤدي إلى التصادم الداخلي أو تؤجج الانقسام المذهبي والسياسي.
إن حماية لبنان لا تكون بإضعاف مؤسساته، ولا بتحويل الخلافات السياسية إلى مواجهات في الشوارع، بل بالحفاظ على وحدة الجيش، وصون السلم الأهلي، وتعزيز دور الدولة ومؤسساتها، والعمل على معالجة الأزمات عبر الحوار والمسار الدستوري، بعيداً عن منطق الغلبة أو الاستقواء بالخارج.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، تبقى الحكمة وضبط النفس والوعي الوطني مسؤولية جماعية تقع على عاتق الجميع. فلبنان لا يحتمل حرباً أهلية جديدة، ولا مزيداً من الانقسامات، وأي مشروع يهدف إلى جرّه نحو الفوضى لن تكون نتائجه إلا كارثية على جميع اللبنانيين، مهما اختلفت انتماءاتهم أو مواقفهم السياسية.
إن الحفاظ على السلم الأهلي ووحدة الجيش ليس خياراً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية لبنان ومستقبل أبنائه، لأن استقرار الوطن مسؤولية مشتركة، وأي انزلاق نحو الفتنة لن يخرج منه أحد منتصراً.