بقلم: أسامة الحسيني
⬛ مقدمة
تُعد الحروب من أكثر الأحداث التي تُحدث آثارًا عميقة وطويلة الأمد على الصحة النفسية للأفراد والمجتمعات. ولا تقتصر تداعياتها على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل تمتد إلى آثار نفسية قد تستمر لسنوات بعد توقف الأعمال العسكرية. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن النزاعات المسلحة تزيد بشكل ملحوظ من انتشار اضطرابات الصحة النفسية بين السكان المتضررين، خاصة بين الأطفال وكبار السن، نظرًا لخصوصية احتياجاتهم النفسية والاجتماعية.
وقد شهد جنوب لبنان خلال الفترة الأخيرة تصعيدًا عسكريًا واسعًا تسبب في سقوط ضحايا، ونزوح آلاف العائلات، وتدمير منازل وبنى تحتية، وفرض ظروف معيشية صعبة على السكان. وتُعد هذه العوامل من أبرز مسببات الصدمات النفسية التي تستدعي اهتمامًا صحيًا وإنسانيًا طويل الأمد.
⬛ الحرب والصحة النفسية
لا تنتهي آثار الحرب مع انتهاء القصف، إذ يستمر الدماغ في الاحتفاظ بذكريات الأحداث الصادمة، وقد يؤدي التعرض المستمر للخطر أو مشاهد العنف إلى تغيرات في استجابة الجسم للتوتر. ومع استمرار إفراز هرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين، قد تتأثر القدرة على النوم والتركيز وتنظيم المشاعر، وقد تتطور لدى بعض الأشخاص اضطرابات نفسية تحتاج إلى تقييم وعلاج متخصص.
وتشير الدراسات إلى أن شدة التأثير النفسي تعتمد على عدة عوامل، منها مدة التعرض للأحداث، وفقدان أفراد من الأسرة، والنزوح، والدعم الأسري والاجتماعي المتاح، والحالة الصحية السابقة.
⬛ أولًا: الأطفال... الفئة الأكثر هشاشة
يؤكد علماء النفس أن الطفل لا يمتلك الأدوات النفسية الكافية لفهم الحروب أو التعامل مع أحداثها كما يفعل البالغون، لذلك ينعكس الخوف وعدم الاستقرار مباشرة على نموه النفسي والعاطفي.
🔹 اضطراب ما بعد الصدمة
• تكرار الكوابيس.
• استرجاع مشاهد القصف بصورة متكررة.
• الخوف الشديد من الأصوات المرتفعة.
• البكاء المفاجئ.
• تجنب الحديث عن الأحداث.
• فقدان الإحساس بالأمان.
وقد يعيد الطفل تمثيل الأحداث الصادمة أثناء اللعب أو الرسم، وهي وسيلة قد يستخدمها للتعبير عن التجربة التي مر بها.
🔹 القلق المزمن
قد يتحول الشعور المؤقت بالخوف إلى حالة قلق مستمرة، فيصبح الطفل دائم الترقب لأي خطر محتمل، ويشعر بأن التهديد ما يزال قائمًا حتى بعد انتهاء القصف.
• ضعف التركيز.
• صعوبة التعلم.
• انخفاض التحصيل الدراسي.
• اضطرابات النوم.
• الخوف من الانفصال عن الوالدين.
🔹 الاكتئاب
• الحزن المستمر.
• فقدان الرغبة في اللعب.
• الانسحاب من الأصدقاء.
• انخفاض النشاط.
• الشعور بعدم الأمل.
• تغير الشهية والنوم.
🔹 التأثير على نمو الدماغ
تشير أبحاث في علم الأعصاب إلى أن التعرض المستمر للضغوط النفسية خلال الطفولة قد يؤثر في مناطق من الدماغ مسؤولة عن الذاكرة وتنظيم الانفعالات واتخاذ القرار. لذلك فإن استمرار الضغوط لفترات طويلة قد ينعكس على النمو المعرفي والعاطفي إذا لم تتوافر بيئة داعمة تساعد الطفل على التعافي.
⬛ ثانيًا: المراهقون... صدمة في مرحلة بناء الهوية
تمثل مرحلة المراهقة فترة حساسة في تكوين الشخصية، ولذلك قد تؤدي الحرب إلى:
• فقدان الثقة بالمستقبل.
• الشعور باليأس.
• اضطرابات النوم.
• القلق الاجتماعي.
• الانعزال.
• زيادة احتمالات السلوكيات الخطرة لدى بعض الحالات.
كما أن انقطاع الدراسة والنشاطات الاجتماعية قد يزيد من صعوبة تجاوز الصدمة.
⬛ ثالثًا: كبار السن... صدمات تتراكم مع العمر
يمثل كبار السن فئة معرضة بشكل خاص للتأثر النفسي، إذ تتداخل آثار الحرب مع الأمراض المزمنة، وضعف القدرة الجسدية، وفقدان مصادر الدعم.
🔹 القلق المستمر
قد يعيش كبار السن في حالة خوف دائم نتيجة:
• فقدان المنزل.
• النزوح.
• القلق على الأبناء والأحفاد.
• عدم وضوح المستقبل.
وقد ينعكس ذلك في صورة أرق، أو سرعة الانفعال، أو أعراض جسدية مثل ارتفاع ضغط الدم وتسارع نبضات القلب.
🔹 الاكتئاب
يرتبط الاكتئاب لدى كبار السن بعوامل متعددة، منها:
• فقدان أفراد من الأسرة.
• الشعور بالعجز.
• العزلة الاجتماعية.
• فقدان الاستقلالية.
• الحزن المستمر.
🔹 استعادة ذكريات الحروب السابقة
كثير من كبار السن في لبنان عاشوا تجارب نزاع سابقة، وقد تؤدي الحرب الجديدة إلى استحضار تلك الذكريات، مما يزيد من شدة التوتر والقلق ويعيد ظهور أعراض كانت قد خفت مع مرور الوقت.
⬛ النزوح وتأثيره النفسي
يُعد النزوح من أقسى التجارب التي قد يمر بها الإنسان، لأنه لا يعني فقدان المنزل فقط، بل فقدان الروتين اليومي والشعور بالاستقرار والانتماء.
وتشير الدراسات إلى أن النزوح قد يرتبط بارتفاع معدلات:
• القلق.
• الاكتئاب.
• اضطراب ما بعد الصدمة.
• الشعور بعدم اليقين.
ويكون الأطفال وكبار السن أكثر عرضة لهذه التأثيرات بسبب حاجتهم إلى بيئة مستقرة وداعمة.
⬛ التأثير على الأسرة
لا تؤثر الحرب على الأفراد فقط، بل على الأسرة بأكملها. فالضغوط الاقتصادية والخوف المستمر قد تزيد من التوتر داخل المنزل، ما قد ينعكس على العلاقات الأسرية وأساليب التعامل مع الأطفال وكبار السن. وفي المقابل، تُعد الأسرة الداعمة أحد أهم عوامل الحماية النفسية، إذ يساعد وجود شخص يقدّم الطمأنينة والاستماع والتشجيع على التخفيف من آثار الصدمة.
⬛ كيف يمكن الحد من الآثار النفسية؟
• تقديم الإسعافات النفسية الأولية بعد الأحداث الصادمة.
• إعادة الأطفال إلى المدارس والأنشطة بأسرع وقت ممكن عندما تسمح الظروف.
• توفير جلسات دعم نفسي فردية وجماعية عند الحاجة.
• تدريب المعلمين والعاملين الصحيين على التعرف إلى علامات الاضطرابات النفسية.
• دعم الأسر ماديًا واجتماعيًا لتخفيف الضغوط.
• تشجيع الأنشطة الرياضية والفنية والاجتماعية التي تساعد على التعبير عن المشاعر.
• إيلاء اهتمام خاص لكبار السن، من خلال متابعة أوضاعهم الصحية والنفسية والحد من عزلتهم.
⬛ متى يجب طلب المساعدة المتخصصة؟
تنصح الجهات الصحية بمراجعة اختصاصي نفسي أو طبيب نفسي إذا استمرت الأعراض لعدة أسابيع أو كانت شديدة، مثل:
• كوابيس متكررة لا تتحسن.
• نوبات هلع متكررة.
• انسحاب اجتماعي شديد.
• فقدان القدرة على ممارسة الأنشطة اليومية.
• أفكار بإيذاء النفس أو الآخرين.
• تدهور واضح في الأداء الدراسي أو الوظيفي.
⬛ خاتمة
تؤكد الخبرة العلمية أن إعادة إعمار المباني وحدها لا تكفي بعد الحروب، بل إن التعافي الحقيقي يشمل أيضًا الاهتمام بالصحة النفسية للأفراد والمجتمع. ويحتاج الأطفال إلى بيئة آمنة تساعدهم على استعادة شعورهم بالأمان، فيما يحتاج كبار السن إلى الدعم الاجتماعي والرعاية الصحية والنفسية التي تراعي ظروفهم الخاصة.
إن الاستثمار في برامج الصحة النفسية، والتدخل المبكر، وتعزيز دور الأسرة والمدرسة والمجتمع، يشكل ركيزة أساسية للتخفيف من الآثار طويلة الأمد للنزاعات المسلحة، والمساهمة في بناء مجتمع أكثر قدرة على التعافي والصمود.
⬛ المراجع العلمية
• منظمة الصحة العالمية (WHO): توضح أن النزاعات المسلحة ترتبط بارتفاع معدلات اضطرابات القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة بين السكان المتضررين.
• منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF): تؤكد أن الأطفال المتأثرين بالحروب يحتاجون إلى بيئات آمنة، والتعليم، والدعم النفسي والاجتماعي للحد من الآثار طويلة الأمد.
• اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC): تشير إلى أن الدعم النفسي والاجتماعي جزء أساسي من الاستجابة الإنسانية في مناطق النزاع.
• الجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA): توصي بالتقييم المبكر والعلاج النفسي عند استمرار أعراض الصدمة وتأثيرها في الحياة اليومية.