
في مونديال الحروب، يبدو القطاع الزراعي في لبنان حاملاً دائماً لقب الخاسر الأكبر. فمن حرب إلى أخرى، ومن أزمة إلى أخرى، يتصدر هذا القطاع قائمة المتضررين، فيما يدفع المزارعون الثمن الأغلى بخسارة أراضيهم ومحاصيلهم ومصادر رزقهم.
خلال الحرب الأخيرة، لم تقتصر الاعتداءات الإسرائيلية على المنازل والبنى التحتية، بل امتدت إلى الأراضي الزراعية التي تشكل شريان الحياة في جنوب لبنان، ولا سيما في القرى الحدودية. فعمليات القصف لم تترك وراءها سوى بساتين محترقة وحقول مدمرة، ناهيك عن أعمال التجريف. ولم يقتصر الأمر على التدمير، بل وصل إلى حد سرقة أشجار الزيتون، بما فيها أشجار معمّرة شكّلت على مدى عقود جزءاً من هوية الجنوب وإرثه الزراعي.
ومنذ اندلاع حرب الإسناد، لم تقتصر معاناة المزارعين على الخسائر المباشرة التي خلّفها القصف، بل حُرم كثيرون منهم من الوصول إلى أراضيهم لزراعتها أو العناية بها أو جني محاصيلها، ما أدى إلى ضياع مواسم زراعية كاملة وتفاقم الخسائر الاقتصادية. واليوم، تكشف الأرقام الرسمية أن حجم الأضرار تجاوز حدود الخسائر الموسمية، ليهدد أحد أهم القطاعات الإنتاجية في لبنان ويضع الأمن الغذائي أمام تحديات غير مسبوقة.
يؤكد وزير الزراعة نزار هاني، في حديث لـ”لبنان الكبير”، أن القطاع الزراعي تكبّد خسائر كبيرة جراء الحرب، مشيراً إلى أن الأضرار طالت نحو 22.5% من إجمالي المساحات الزراعية في لبنان، أي ما يعادل أكثر من 56 ألف هكتار.
وعلى الرغم من حجم الخسائر، يشدد هاني على أن “حركة التصدير لا تزال في الجانب الآمن، وأن الموسم الزراعي لم ينتهِ بعد”، مضيفاً أن الوزارة تراهن على إنتاج جيد في مختلف المناطق اللبنانية.
ويوضح أن “الجنوب ينتج نحو 70% من الحمضيات و90% من الموز في لبنان، وهما من أكثر القطاعات الزراعية تضرراً، في حين أن زراعة الأفوكادو لم تتأثر بشكل كبير لأن موسمها لا يزال في بدايته”، مضيفاً: “نريد زيادة حجم التصدير، ولدينا موسم زراعي جيد جداً في مختلف المناطق، سواء البطاطا في البقاع أو التفاح والخضروات وغيرها من الزراعات في الأراضي اللبنانية”.
وبالتوازي مع ذلك، تواصل وزارة الزراعة إصدار تقارير دورية لرصد حجم الأضرار. ووفق أحدث تقرير حتى 5 أيار 2026، بلغت المساحات الزراعية المتضررة 56,264 هكتاراً، بينها 18,559 هكتاراً في 64 بلدة جنوبية ضمن منطقة النزاع، ما يعادل نحو ثلث إجمالي المساحات المتضررة في البلاد. كما يبيّن التقرير أن الجنوب تكبّد الحصة الأكبر من الخسائر نظراً لتركّز زراعة الموز والحمضيات والزيتون فيه، إذ تضرر 17,871 هكتاراً من أشجار الفاكهة، و18,407 هكتارات من بساتين الزيتون، إضافة إلى 2,506 هكتارات من الحمضيات و1,954 هكتاراً من الموز.
ويشير التقرير إلى تسجيل 23,611 مزارعاً متضرراً حتى الآن، بينهم 5,803 سُجّلوا خلال الأسبوع الأخير، فيما لا يزال 77.9% من المزارعين نازحين عن بلداتهم، مقابل 22.1% عادوا إليها بعد وقف إطلاق النار. كما وثّق التقرير تضرر 4,269 هكتاراً من الأراضي الزراعية، و1,617 مزرعة، و793 خيمة زراعية، فضلاً عن أضرار لحقت بمراكز التصنيع الغذائي ومعاصر الزيتون ومراكز التوضيب والتبريد.
ولم تقتصر الخسائر على الإنتاج النباتي، بل امتدت إلى الثروة الحيوانية، حيث سُجل نفوق نحو 1.85 مليون رأس من الدواجن والمواشي والحيوانات المختلفة، إضافة إلى خسارة 29,121 قفير نحل ونحو 2,030 طناً من الأسماك. كما خلص التقرير إلى أن أبرز احتياجات المزارعين تتمثل في تأمين مياه الري ومحروقاته، والمدخلات الزراعية، والمساعدة في حصاد المحاصيل، والأعلاف والرعاية البيطرية، ولا سيما في أقضية بنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا، الأكثر تضرراً من الحرب.
في السياق عينه، يؤكد رئيس تجمع المزارعين في الجنوب، محمد الحسيني، في حديث لـ”لبنان الكبير”، أن “القطاع الزراعي لا يزال يدفع ثمن الحرب”، مشيراً إلى أن الأضرار طالت مختلف المواسم الزراعية، من الموز والحمضيات والأفوكادو والخضار إلى الأشجار المثمرة.
ويلفت إلى أن “الخسائر المباشرة شملت احتراق الأشجار واقتلاعها، إضافة إلى خسارة ما بين ثلث ونصف الإنتاج الزراعي، بعدما عجز المزارعون عن قطاف محاصيلهم بسبب الحرب والاعتداءات الإسرائيلية. كما طالت الأضرار البنية التحتية الزراعية، بما فيها الآبار وقنوات الري وأنظمة الطاقة الشمسية المستخدمة في الري”.
ويشير الحسيني إلى أن “عدداً من المزارع أصبح داخل المنطقة التي يحتلها الجيش الإسرائيلي، فيما أُحرقت مساحات واسعة منها بالفوسفور الأبيض أو جُرفت بالكامل، ما جعل استصلاحها أمراً بالغ الصعوبة”.
وفي ما يتعلق بآلية حصر الأضرار، يوضح أن “وزارة الزراعة أطلقت تطبيقاً لتسجيل الأضرار، إلا أن عملية الإحصاء لم تكتمل بعد، نظراً لاستمرار الاعتداءات ووقوع أضرار جديدة حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، ما يحول دون إصدار أرقام نهائية”، مؤكداً أن “قيمة الخسائر تُقدّر بعشرات الملايين من الدولارات، فيما لا تزال الأرقام مرشحة للارتفاع”.
ولا تقتصر التداعيات على الخسائر المباشرة، بحسب الحسيني، بل تمتد إلى خسائر غير مباشرة تتمثل في “فقدان المزارعين مداخيلهم نتيجة عدم تمكنهم من جني محاصيلهم، فضلاً عن تعطل التحضير للمواسم المقبلة، إذ يبدأ المزارعون عادةً أعمال التحضير منذ شهر شباط، وهو ما تعذّر هذا العام، الأمر الذي سينعكس سلباً على الإنتاج في المواسم المقبلة”.
ويضيف أن “الزراعات الموسمية، ومنها البطيخ، تضررت أيضاً بفعل الحرب وعدم القدرة على العناية بالمحاصيل، إلى جانب الظروف المناخية وجفاف منطقتي الليطاني والحاصباني”.
ويشير الحسيني إلى أن “رقعة الأضرار اتسعت مع ازدياد عدد المزارع المحترقة، واستمرار منع المزارعين من إعادة استصلاح أراضيهم، لافتاً إلى أن جميع المزارع الواقعة في المناطق التي احتلها الجيش الإسرائيلي تعرضت لأضرار جسيمة، فيما مُنع أصحابها، حتى بعد عودة أهالي الجنوب، من الوصول إليها والاعتناء بمحاصيلهم”.
أما الأشجار المثمرة، فقد تعرضت لضربة قاسية، إذ تحتاج الأشجار التي اقتُلعت أو دُمّرت إلى ما بين خمس وسبع سنوات لتعود إلى الإنتاج، فيما تحتاج الأشجار المتضررة التي بقيت قائمة إلى سنتين على الأقل لاستعادة قدرتها الإنتاجية، وفقاً للحسيني.
ويشير الحسيني إلى أنه “إذا كانت التقديرات الأولية قد قدّرت حجم الأضرار بنحو 600 مليون دولار، فإن إنتاج الموسم الحالي يبقى أقل من إنتاج عام 2024، نتيجة إهمال الأراضي الزراعية منذ اندلاع الحرب، في وقت يشهد فيه المزارعون الموسم الثالث على التوالي من دون القدرة على جني محاصيلهم أو زراعة أراضيهم”.
يحتاج قطاع الزراعة إلى سنوات لاستعادة عافيته، ولا سيما في المناطق التي تعرضت للحرق والتجريف. وعلى الرغم من الظروف الصعبة، إلا أن حركة التصدير لا تزال “on the safe side”، إذ إن الإنتاج الزراعي في العديد من المناطق لا يزال قائماً، وبالتالي فإن هذا القطاع لا يزال قادراً على الصمود إذا توفرت له الظروف المناسبة.
اليوم، وفي ظل المشهد السياسي الضبابي، بين اتفاقات تعثرت وأخرى لا تزال تشق طريقها، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، تبقى الأسئلة مفتوحة: هل يتجه لبنان نحو مرحلة تهدئة تسمح بإعادة إحياء قطاعاته الإنتاجية، وفي مقدمها الزراعة؟ أم أن مواجهة جديدة ستضاعف الخسائر في قطاع لم يتعافَ بعد من آثار الحرب؟