وفاء بهاني
ليس كتاب “من جمر إلى جمر” لمنير شفيق مجرد سيرة ذاتية تُروى،
ولا هو حنينٌ إلى زمنٍ مضى، بل هو وثيقة سياسية حيّة، تضعنا أمام سؤالٍ قاسٍ:
متى تحوّل المناضل من حامل قضية… إلى حامل موقف؟
في هذه الصفحات، لا نتعرّف إلى رجلٍ فقط، بل إلى بنيةٍ كاملة من الوعي،
إلى جيلٍ لم يكن يرى في فلسطين شعارًا، بل معيارًا أخلاقيًا يُقاس عليه كل شيء:
الفكر، التحالف، اللغة، وحتى الحياة نفسها.
هذا الجيل لم يكن يتعامل مع النضال بوصفه خيارًا،
بل بوصفه قدرًا.
ولذلك لم يكن يملك ترف التراجع،
ولا رفاهية إعادة التموضع كلما تبدّلت اتجاه الرياح.
من جمر النكبة…
إلى جمر الهزيمة عام 1967…
إلى جمر التحولات الفكرية الحادة، في حقبات مختلفة وما عرفته من عواصف شديدة.
عبر منير شفيق —ومعه جيل كامل— من الماركسية إلى الإسلام،
لكنّه لم يعبر يومًا إلى الضفة الأخرى من الصراع.
وهنا تكمن الفكرة التي يُخفيها الكتاب بين سطوره:
أن التحوّل في الفكر لا يعني التحوّل في الموقع،
وأن المراجعة لا تعني الانسلاخ.
ذلك الجيل أخطأ، نعم،
ودفع أثمانًا باهظة،
لكنّه لم يساوم على تعريف العدو، ولم يربك بوصلته تحت ضغط الهزيمة، ولم يحوّل القضية إلى ملفٍ قابل للإغلاق.
أما اليوم…
فنحن لا نعيش أزمة قضية، بل أزمة مناضل.
أزمة في تعريف النضال نفسه:
هل هو موقف إعلامي؟
أم وظيفة سياسية؟
أم مساحة رمادية قابلة للتفاوض؟
لقد دخلنا زمنًا تُعاد فيه صياغة المفاهيم:
يُصبح التراجع “واقعية”،
والتنازل “براغماتية”،
والصمت “حكمة”،
والاصطفاف مع العدو “قراءة جديدة للواقع”.
وفي هذا المناخ، لم يعد المناضل يُقاس بقدرته على الصمود، بل بقدرته على التكيّف.
لا يُسأل: كم تحملت؟
بل: كم ربحت؟
وهنا تحديدًا، يصبح كتاب “من جمر إلى جمر” أشبه بمرآة جارحة:
لا لأنه يروي الماضي،
بل لأنه يفضح الحاضر.
يفضح الفارق بين من كان يصعد من جمرٍ إلى جمر،
لأن الطريق إلى فلسطين لم يكن معبّدًا، وبين من يبحث اليوم عن طريقٍ بلا كلفة،
ثم يطالب بنتائج بلا تضحية.
ذلك الجيل لم يكن أنقى منّا، لكنّه كان أصدق.
لم يكن أكثر علمًا،
لكنّه كان أكثر التزامًا.
كان يعرف أن الهزيمة لا تُعالج بتغيير اللغة،
ولا بإعادة توصيف العدو،
بل بإعادة بناء الذات على قاعدة الصراع مع العدو، لا الهروب منه.
اليوم، يُطلب منا أن نُعيد تعريف الصراع،
أن نخفف حدّته،
أن نُهذّب لغته،
أن نُدخله فيس قوالب “السياسة الممكنة”،
حتى يصبح مقبولًا…
لا منتصرًا.
وهنا تحديدًا، تكمن المأساة:
لم يعد المطلوب تحرير الأرض،
بل إدارة الخسارة.
منير شفيق، في هذا الكتاب، لا يقول ذلك صراحة،
لكن تجربته تصرخ به:
أن المناضل الحقيقي لا يُقاس بثباته في لحظات الانتصار،
بل بثباته حين يصبح الثبات مكلفًا.
جيل “من جمر إلى جمر” لم يكن يبحث عن النجاة،
بل عن المعنى.
ولذلك، حين احترقت أيديهم،
لم يسألوا: لماذا نحترق؟
بل قالوا:
هذا طريقنا.
أما اليوم، فقد تغيّر السؤال:
أصبحنا نسأل:
كيف ننجو… ولو خسرنا الطريق؟
هذا النص ليس دعوة للعودة إلى الماضي،
ولا محاولة لتقديس تجربة،
بل محاولة لاستعادة معيارٍ ضاع:
أن النضال ليس خطابًا،
ولا بطاقة تعريف،
ولا موقعًا في معادلة،
بل هو موقفٌ لا يتغيّر
حتى لو تغيّر كل شيء.
في زمنٍ تتآكل فيه المعايير،
وتُستبدل فيه الثوابت بلغةٍ ناعمة،
يبقى كتاب “من جمر إلى جمر” شاهدًا مزعجًا،
لأنه يذكّرنا بحقيقة لا يحب كثيرون سماعها:
أن المشكلة لم تكن يومًا في الطريق…
بل في الذين لم يعودوا قادرين على احتمال الجمر،، لا بل الاقتراب من الجمر...