
أسامة الحسيني
لم تكن الحرب التي يشنها العدو الإسرائيلي على جنوب لبنان يوماً مجرد نزاع عسكري على خطوط النار، بل هي في جوهرها طعنة غائرة في قلب الذاكرة، ومحاولة خبيثة لاغتيال المعنى واقتلاع الإنسان من جذوره. ما يحدث في تلك القرى الصامدة ليس قصفاً عابراً، بل سياسة محو ممنهجة تمارسها آلة الحرب الإسرائيلية، ظناً منها أن تسوية البيوت بالتراب كفيلة بإطفاء الروح التي تسكن هذا الطين المعجون بعرق السنين ودموع الأمهات.
تحت أطنان المتفجرات، لا تتداعى الجدران الإسمنتية وحدها؛ بل تنهار معها ضحكات الطفولة الأولى، وأسرار الشباب المخبأة في زوايا الغرف العتيقة، وألبومات الصور التي حفظت ملامح أجداد رحلوا وتركوا في باحات المنازل رائحة الياسمين والتين والزيتون. مسح العدو الإسرائيلي معالم قرى بأكملها؛ أحال الساحات التي شهدت أعراس الجنوبيين وأفراحهم إلى ساحات رماد، واستهدف المساجد والكنائس التي تعانق فيها الأذان مع الأجراس لقرون.
وبلغ الحقد مداه الأبشع حين امتدت الجرافات إلى المقابر لتنبشها وتجرفها، في محاولة يائسة وبائسة لقطع آخر خيط روحي يربط الأحياء بالأرض، ولتدنيس سكينة الشهداء والأحبة الذين استودعناهم هذا الثرى. لقد أراد العدو أن يجعل الجنوبي غريباً عن مسقط رأسه، بلا ماضٍ يلتفت إليه، ولا قبرٍ يقرأ عنده الفاتحة.
لكن هذه الجراح الغائرة لم تقتصر على الحجر والشجر؛ بل حفرت ندوباً عميقة في النفوس والأجساد سترافق أجيالاً قادمة.
في مراكز النزوح والبيوت المستأجرة، تعيش العائلات مرارة الاقتلاع، حيث يصحو المسن تائهاً يبحث عن شرفته وهواء بلدته، ويكبر الأطفال على وقع كوابيس الطائرات وأصوات الانفجارات، مثقلين بصدمات نفسية لا تمحوها الأيام بسهولة. هذا الوجع النفسي يوازيه ألم جسدي حارق تركه الفوسفور الأبيض والأسلحة السامة التي سمّمت التربة وأحرقت الأجساد، لتترك بصمات إعاقة وأمراضاً مزمنة في أجساد مدنيين ذنبهم الوحيد أنهم ولدوا على هذه الأرض الشريفة.
ومع ذلك، وأمام هذا السيل الجارف من الموت، يقف الجنوبي ليدهش العالم بصلابة تتحدى كل قوانين الفيزياء والمنطق.
إن تعلق أهل الجنوب بأرضهم ليس مجرد حب للوطن، بل هو عقيدة راسخة وتوأمة مقدسة بين اللحم والتراب. تراهم يعودون تحت أزيز الطائرات، يمشون بين الركام يبحثون عن شتلة زيتون سلمت ليسقوها برمش العين، ويجلسون فوق أنقاض غرفهم المهدمة ليتناولوا رشفة قهوة تعلن للعالم أن "هنا كنا، وهنا سنبقى".
الجنوبي يفضل أن ينصب خيمة بالية فوق تراب بيته المنسوف، يستنشق غبار ركامه، على أن يعيش في أبهى قصور الأرض بعيداً عن بلدته؛ لأن هذه الأرض بالنسبة له ليست مجرد عقار، بل هي كرامته ووصية الشهداء التي لا تسقط بالتقادم.
يدرك أهل الجنوب أن طريق العودة والتعافي سيكون طويلاً وشاقاً جداً، وأن ورشة القيامة ستبدأ من تحت الصفر.
فالبنى التحتية مسحوقة، والكهرباء والماء والاتصالات أضحت أثراً بعد عين، ومواسم الحقول باتت محفوفة بمصائد القنابل العنقودية غير المنفجرة، مما يعني سنوات من الكدح والصبر حتى تعود القرى كما كانت. لكن هذا الثمن، مهما تعاظم، يراه الجنوبيون متواضعاً أمام ما تسطره المقاومة في جنوب لبنان من ملاحم دفاعية بطولية على امتداد الحافة الأمامية، حيث أذاقت الغزاة مرارة الهزيمة وأسقطت في صفوف العدو الإسرائيلي قتلى وجرحى، مثبتة أن الأرض التي تبتلع قذائفهم قادرة على ابتلاع جنودهم أيضاً.
إن ما عجزت آلة القتل عن انتزاعه بالنار لن تناله بالركام والجرافات.
ورغم قوافل الشهداء التي تزفها المدن والبلدات كل يوم، ورغم الألم الذي يسكن كل بيت، ستبقى الحقيقة الوحيدة الساطعة: الحجر يُبنى من جديد، والأشجار تُغرس لتثمر كبرياءً، أما العشق الجنوبي للأرض فهو الروح التي لا تموت، والنور الذي سيعيد إعمار الجنوب من ألفه إلى يائه ليبقى حراً، عزيزاً، وعصياً على الفناء.