أيتام ترامب في لبنان - خريف المراهنين وسقوط الصنم
السبت 07 تشرين الثاني 2026

بقلم: أسامة الحسيني

رويداً رويداً، تتسلل مرارة الصدمة إلى وعي دونالد ترامب، وإن كان كبرياؤه الأجوف وعنجهيته المعهودة يحولان بينه وبين الإقرار بالهزيمة. لقد ضربت ارتدادات الزلزال الانتخابي عصب مشروعه وزعزعت أركان نفوذه، ليجد نفسه محاصراً داخل عنق الزجاجة؛ عاجزاً عن التقدم لفرض شروطه، ومحرومًا من التراجع لحفظ ماء وجهه. قاده تهوره وغروره إلى التورط في العدوان المباشر، فجرّ على بلاده صفعات عسكرية مدوية لم تعهدها من قبل؛ إذ نالت نيران طهران وصنعاء من هيبة أساطيله وقواعده وبوارجه، لتثبت الوقائع الميدانية أن حسابات "حلب الدول" الخانعة لا تسري على من امتشق السيادة واختار المواجهة بكرامة. لقد جنت على نفسها واشنطن حين ظنت أن منطقتنا تُدار بإملاءات الابتزاز وبلطجة الصفقات.

هذا الانكسار في رأس الهرم سرعان ما تمدد ليصيب باليُتم السياسي طابور التابعين والمصفقين؛ أولئك الذين راهنوا طويلاً على القوة الأمريكية لترجيح كفتهم في الداخل، وتحديداً في لبنان. شريحة أصابها العجز عن استشراف المتغيرات، وتغذت على أوهام استقواء الخارج ضد الشريك في الوطن. إنهم يستحقون الشفقة لفرط سذاجتهم، مع أنهم لم يترددوا يوماً في حبك المؤامرات، والتحريض على إقصاء المقاومة واستباحة دمها. ولعل المفارقة تكمن في أن الرأفة بهؤلاء ومخاطبتهم بالنصح هي السبيل لتذكيرهم بأبجديات السيادة الوطنية قبل فوات الأوان.

كيف لمن جلس في موقع الرئاسة، معتبراً واشنطن المرجعية والضامن، أن يبرر اليوم خياراته بعد تهاوي رهاناته الكبرى؟ كيف لمن تساهل في ملفات حيوية كترسيم الحدود، وفتح الأبواب أمام التدخلات الغربية ظناً منه أن الحماية الأمريكية أبدية، أن يحسب خط الرجعة أمام التاريخ والشعب؟ وماذا عن جوقة المصفقين والمنظرين الذين رفعوا ترامب إلى مصاف "المخلّص"، وتمنوا لو يخنق خيار المقاومة ليقبضوا على لبنان لقمة سائغة من فوق الركام، ويعيدوا صياغته ساحة للتبعية والعبث الأخلاقي والسياسي والتفريط بالهوية؟

وماذا سيقول أدعياء الدبلوماسية الاستعراضية، الذين جالوا بين الكاميرات والصالونات منتشين بوعود الهيمنة، ليصطدموا اليوم بالحفرة التي أوقعتهم فيها أوهامهم الاستعلائية؟ كيف سيتصرف نواب الصدفة، وشاشات التحريض المأجورة، ووزراء المراوغة، وأدوات التدخل الخارجي الذين استقووا برعاتهم الإقليميين والدوليين، بعدما تبيّن أن راعيهم الأكبر بات يدخل مرحلة الموت السياسي والسريري؟

إن المرحلة لا تحتمل التسامح الساذج مع من امتهن الوشاية وبث الكراهية، وواصل تذلّلــه لأجندات السفارات وغرف العمليات المظلمة التي توزّع أدوار التحريض وتلفيق الاتهامات. هؤلاء الذين ارتهنوا للخارج وفقدوا بوصلة الانتماء يستحقون أن تُعرّى سياساتهم أمام الرأي العام، وأن يُتركوا لمصيرهم المحتوم في دوائر الخيبة والعزلة التي نسجوها بأيديهم.

الاراء الواردة تعبر عن رأي صاحبها ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر مجموعة كن مواطن الإعلامية